علي بن أحمد المهائمي
242
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
( فأثنى على إسماعيل عليه السّلام إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ [ مريم : 54 ] ) ، ولم يثن عليه بأنه كان صادق الوعيد ، وإن كان قد يثني على الحق بأنه شَدِيدُ الْمِحالِ [ الرعد : 13 ] سَرِيعُ الْعِقابِ * و إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ [ إبراهيم : 47 ] ؛ لأنه ( قد زال الإمكان في حق الحق ) ، حيث عارض الوعيد وعد التجاوز في حق البعض ، فلم يبق كليّا يفيد ظهوره في المظاهر الكاملة ، وتمدح تلك المظاهر بذلك ، وإنما زال ( لما فيه ) أي : في الإمكان ( من طلب المرجح ) ، فإنه شأن الممكنات ، والمرجح الخارجي لا يقاوم المعارض القوي ، وهو وعد التجاوز المثني عليه بالذات . ( فلم يبق ) في موضع عارض فيه الوعد الوعيد ( إلا صادق الوعد وحده ) ، فلابدّ من التجاوز في شأنهم ، ( وما لوعيد الحق ) حيث لم يعارضه الوعد ، ولم ينف عنه معارضته الوعد بالكلية كأهل الشرك حيث قال : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] فإن الترجيح هناك لصدق الوعيد ؛ لأن الشرك لما كان ظلما عظيما كان إهمال العقوبة عليه مخلا بالحكمة أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [ المؤمنون : 115 ] كيف وفيه تسوية المحسن بالمسيء أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ ص : 28 ] إن دخلوا أي : أرباب الوعيد الذين لم ينف عنهم معارضة الوعد ( دار الشقاء ) لعارض يقتضي صدق الوعيد مدة ، فلا بدعة من صدق الوعد أيضا الوارد في عامة المؤمنين ، وهو أنه يخرج من النار كل من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ، وقد قال تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ] ، ولم يحبط عمله بالكفر ، فلابدّ أن يراه ؛ ( فإنهم على لذة ) هي لذة الاستعداد لدخول الجنة بالطهارة عن الغواشي الظلمانية من المعاصي فيها ، ( نعيم يباين نعيم جنان الخلد ) ، إذ نعيمهم كنعيم الدواء المر من حيث تضمنه تعقيب الراحة العظيمة ، ونعيم جنات الخلد غير تلك الراحة . ( والأمر ) أي : أمر الحق في شأن من يدخل الجنة بلا عذاب وبعده ( واحد ) ، ولكن ( بينهما عند التجلي تباين ) ، إذ يتجلى على الأول بالإنعام من أول الأمر ، وعلى الثاني يتجلى أولا بالانتقام ، وإن كان المقصود منه تكميله بإزالة الغواشي الظلمانية عنه ، وإذا كان عذابهم لأجل التكميل يسمى عذابهم ( عذابا من عذوبة طعمه ) في الحقيقة ، وإن كان مرّا في الحال كالدواء المذكور ، وهذا بطريق الإشارة من شبهة الاشتقاق . ثم استشعر سؤالا هو أنه أين تلك العذوبة في شأنهم ؟ فقال : ( وذاك ) أي كونه في